فخر الدين الرازي
177
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يحيط عقله بالقليل من خواص نفس البق والبعوض ، فضلا عن التوغل في بحار أسرار اللّه سبحانه . أما قوله تعالى : [ سورة الشمس ( 91 ) : آية 8 ] فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) فالمعنى المحصل فيه وجهان الأول : أن إلهام الفجور والتقوى ، إفهامها وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما شاء منهما ، وهو كقوله : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] وهذا تأويل مطابق لمذاهب المعتزلة ، قالوا : ويدل عليه قوله بعد ذلك : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 9 ، 10 ] وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وعن جمع من أكابر المفسرين والوجه الثاني : أنه تعالى ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم الكافر فجوره ، قال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها ، وقال ابن زيد : جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها بالفجور ، واختار الزجاج والواحدي ذلك ، قال الواحدي : التعليم والتعريف والتبيين ، غير والإلهام غير ، فإن الإلهام هو أن يوقع اللّه في قلب العبد شيئا ، وإذا أوقع في قلبه شيئا فقد ألزمه إياه . وأصل معنى الإلهام من قولهم : لهم الشيء ، والتهمه إذا ابتلعه ، وألهمته ذلك الشيء أي أبلغته ، وهذا هو الأصل ثم استعمل ذلك فيما يقذفه اللّه تعالى في قلب العبد ، لأنه كالإبلاغ ، فالتفسير الموافق لهذا الأصل قول ابن زيد ، وهو صريح في أن اللّه تعالى خلق في المؤمن تقواه ، وفي الكافر فجوره ، وأما التمسك بقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها فضعيف لأن المروي عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي أن المعنى قد أفلحت وسعدت نفس زكاها اللّه تعالى وأصلحها وطهرها ، والمعنى وفقها للطاعة ، هذا آخر كلام الواحدي وهو تام . وأقول قد ذكرنا أن الآيات الثلاثة ذكرت للدلالة على كونه سبحانه مدبرا للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة ، فههنا لم يبق شيء مما في عالم المحسوسات إلا وقد ثبت بمقتضى ذلك التنبيه أنه واقع بتخليقه وتدبيره ، بقي شيء / واحد يختلج في القلب أنه هل هو بقضائه وقدره وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية ، فنبه سبحانه بقوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها على أن ذلك أيضا منه وبه وبقضائه وقدره ، وحينئذ ثبت أن كل ما سوى اللّه فهو واقع بقضائه وقدره . وداخل تحت إيجاده وتصرفه . ثم الذي يدل عقلا على أن المراد من قوله : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها هو الخذلان والتوفيق ما ذكرنا مرارا أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات ، فحصولها إن كان لا عن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل ، وفيه نفي الصانع ، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل ، وإن كان عن اللّه فهو المقصود ، وأيضا فليجرب العاقل نفسه فإنه ربما كان الإنسان غافلا عن شيء فتقع صورته في قلبه دفعة ، ويترتب على وقوع تلك الصورة في القلب ميل إليه ، ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل ، وذلك يفيد القطع بأن المراد من قوله : فَأَلْهَمَها ما ذكرناه لا ما ذكره المعتزلة . أما قوله تعالى : [ سورة الشمس ( 91 ) : آية 9 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء ، وفي الآية قولان أحدهما : أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني : قد أفلح من زكاها اللّه ، وقبل القاضي هذا التأويل ، وقال المراد منه أن اللّه حكم بتزكيتها وسماها بذلك ، كما يقال في العرف : إن فلانا يزكي فلانا ، ثم